محمد جواد مغنية

175

في ظلال نهج البلاغة

المفعول ، وكيف يتوفى « كيف » حال أي على أية حال يتوفى ، أو مفعول مطلق أي أية وفاة يتوفى . المعنى : لا يعرف حقيقة الموت إلا من عرف سر الحياة ، لأنه عدمها . وقال الماديون : ان المادة هي الموجودة الوحيد ، والفكر أو الحياة تبع لها وعرض ، فإذا انحلت لمادة وفسدت زالت الحياة تبعا وقهرا . وقال المثاليون : بل الموجود هو الفكر ، وان الأشياء التي نظن أنها مادية هي في الواقع كائنات لا وجود لها إلا في أفكارنا وتصورنا ، وعلى هذا تكون الحياة أو الوجود على الأصح في منطقهم هو الفكر ، والشيء الذي لا فكر له ليس لوجوده عين ولا أثر . ويقول الدين : إن كلا من المادة والروح أصل ، وليس أحدهما فرعا عن الآخر ، وهما معا من صنعه تعالى . وكما اتفق المتدينون على أن الروح والمادة من أمر اللَّه وصنعه اتفقوا أيضا على أن حياة المادة تكون بالاتصال بين الروح والجسم ، وانه تعالى يأمر تلك بالدخول في هذا كما جاء في آخر سورة الفجر : * ( « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي » ) * أي في أجسامهم ، وأيضا اتفقوا ان للَّه ملكا ينتزع الأرواح من الأجسام ، واختلفوا : كيف وبأية وسيلة يستطيع ملك الموت أن يقبض في وقت واحد العديد من الأرواح من شرق الأرض وغربها وقال قائل : يدعوها اليه ، فتأتيه مسرعة باذن اللَّه ، وهو في مكانه . وقال آخر : بل تكون الأرض بين يديه كالمائدة يتناول منها ما يشاء . وقال ثالث : إن له جنودا من الملائكة تعاونه . . وهذا الكلام وأمثاله جهل وهراء ، ولا سر إلا قوله : * ( كُنْ فَيَكُونُ ) * . وفيما يلي البيان : لقد تساءل الإمام ( ع ) في كلامه هذا : من الذي أحس حركة لملك الموت ، أو رأى له شبحا ثم كيف يقبض روح الجنين ، وهو في رحم أمه أيدخل من أذنها أم فمها أم يدعو روحه اليه فتستجيب باذن اللَّه : أم ما ذا وغرض الإمام من هذا التساؤل أن يعلن للناس ان حقيقة الموت والحياة في علم اللَّه وحده ، وان يمسك المتفلسفون عن تمزيق الكلام في ذلك ، ويكلوا الأمر اليه تعالى . .